Input your search keywords and press Enter.

على خطى «إسرائيل».. الهند تستميت لتغيير هوية كشمير الإسلامية

منذ العام 2019، وتحديدا في الخامس من أغسطس، لم تهدأ منطقة كشمير المسلمة الخاضعة لسيطرة نيوديلهي، ففي الجزء الذي تسيطر عليه الهند من كشمير أُعلن حظر تجول عسكري صارم، وقطعت الهواتف والإنترنت، ليقر برلمان الهند في اليوم التالي مشروع قانون يجرد هذا الإقليم من حكمه الذاتي ووضعه الخاص.
ومنذ ذلك التوقيت، تستميت الحكومة الهندية برئاسة ناريندرا مودي في طمس وتغيير هوية المنطقة المسلمة، على خطى الاستيطان الإسرائيلي.
ففي تحد صارخ للمواثيق الدولية وبشكل متسارع تمضي الهند قدما في تعديل التركيبة السكانية لمنطقة كشمير ذات الأغلبية المسلمة، وهو ما يعتبر “تطهيرا عرقيا” يتم عبر مخططات للحكومة الهندية.
ومؤخرا، أدخل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تعديلات على قوانين الإقامة في كشمير الهندية لأول مرة منذ عام 1947، في مسعى للقضاء على أي محاولة لتحدي مسألة تبعية المنطقة -المتنازع عليها- للهند.
وتهدف حكومة مودي القومية الهندوسية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية وهوية المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، وقارن خبراء الأمر بخطط المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
ونستعرض فيما يلي القواعد الجديدة وآثارها على سكان المنطقة البالغ عددهم 14 مليون نسمة.

ماذا فعل مودي في كشمير؟
الولاية الواقعة في جبال الهيمالايا مقسمة بين الهند وباكستان منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1947.
وفي الشطر الذي تديره الهند، أدى الصراع بين المتمردين الانفصاليين والقوات الحكومية إلى مقتل عشرات الآلاف منذ عام 1989، معظمهم من المدنيين.
وأكثر من 65% من سكان هذا الشطر مسلمون. وفي وادي كشمير، المركز الرئيسي للمسلمين، تقترب النسبة من 100%.
وفي الخامس من أغسطس 2019، ألغت حكومة مودي -في خطوة مثيرة للجدل- مواد في الدستور الهندي تضمن الحكم الخاص لكشمير، وحقوقا أخرى، بما في ذلك علَمها ودستورها.
وشهد الإقليم عملية أمنية ضخمة رافقت القرار، عبر إرسال عشرات الآلاف من القوات الإضافية، انضموا إلى 500 ألف جندي متواجدين بالفعل، وفُرض حظر تجول صارم بمثابة حصار، وأوقفت السلطات الهندية آلاف الأشخاص، وقطعت كافة أنواع الاتصالات لشهور.
وتم تخفيض منزلة ولاية جامو وكشمير إلى منطقة تحكمها نيودلهي مباشرة، في حين تم اعتبار منطقة لاداخ منطقة إدارية منفصلة.
وأدت هذه الخطوة إلى مزيد من القلق لدى الأقلية المسلمة في الهند، البالغة 200 مليون نسمة، وكذلك لدى المدافعين عن تقاليد البلاد العلمانية، والذين يخشون من أن يكون مودي يرغب في تكريس دولة هندوسية، وهو ما ينفيه.

هل بدأ إعداد مشروع استيطاني بكشمير؟
وتقول منى بهان أستاذة الأنثروبولوجيا المساعدة في جامعة سيراكيوز الأميركية، التي أجرت لمدة طويلة أبحاثا حول كشمير؛ “ما أراه يتكشف هو مشروع استعماري هندوسي استيطاني قيد الإعداد”.
وألغت حكومة مودي أنظمة الإقامة الخاصة في كشمير التي يعود تاريخها إلى عام 1927، وكانت تضمن فقط لأصحاب الإقامة الدائمة امتلاك الأراضي والممتلكات والحصول على وظائف حكومية وأماكن في الجامعات والتصويت في الانتخابات المحلية.
الآن يمكن لمجموعة من فئات مختلفة من الأشخاص من أي مكان في الهند التقدم للحصول على شهادات الإقامة، مما يتيح لهم الوصول إلى كل الامتيازات السابقة.
ويشمل هؤلاء أولئك الذين يعيشون في كشمير لمدة 15 عاما، ومن بينهم نحو 28 ألف لاجئ فروا من باكستان، وما يصل إلى 1.75 مليون عامل مهاجر، معظمهم من الهندوس.
بالإضافة إلى ذلك، فإن موظفي الخدمة المدنية الذين عملوا في كشمير لمدة 7 سنوات وأطفالهم، أو الطلاب الذين خضعوا لامتحانات معينة؛ كلهم مؤهلون أيضا للحصول على وضع الإقامة.
وتعليقا على ذلك، يقول المؤرخ والمحلل السياسي صديق وحيد إن هذه التغييرات هي “الأكثر جذرية منذ عام 1947، وهي تتم بقصد فتح الأبواب أمام سيل ديموغرافي”.
ويتعين على السكان المحليين الآن أيضا التقدم بطلب للحصول على “شهادات الموطن” الجديدة كي يكونوا مؤهلين للحصول على حقوق الإقامة الدائمة.
وللحصول على حقوق الإقامة الدائمة الجديدة، يتعين على السكان المحليين تقديم شهادات الإقامة الدائمة الصادرة منذ عام 1927، والتي تصبح بعدها لاغية الأثر.
ويقول السكان إنهم مجبرون في الواقع على تقديم ولائهم السياسي للهند مقابل الحصول على لقمة العيش.
في الغضون، تم إصدار نحو 430 ألف شهادة موطن جديدة، رغم الإجراءات المرتبطة بجائحة كوفيد-19، لكن من غير الواضح كم منها حصل عليها أشخاص من خارج كشمير وكم للسكان المحليين.
ويرفض السكان المحليون تسليم وثائقهم القديمة، رغم أن هذا يجعل الحياة أكثر صعوبة.
يذكر أن منطقة كشمير ذات الأغلبية المسلمة تمثل نقطة للتوتر والخلاف بين الهند وباكستان المسلحتين نووياً واللتين خاضتا حربين من حروبهما الثلاث بسبب الإقليم. وتحكم كل منهما جزءا من كشمير وتطالب بالسيادة عليه بالكامل.

ما قصة الصراع بين الهند وباكستان في كشمير؟
وبالعودة إلى الخلف نجد أنه في عام 1965 عاد التوتر بين الجانبين، وحاولت باكستان دعم المقاتلين الكشميريين، لكن الأحداث خرجت عن نطاق السيطرة.
ودار قتال مسلح بين الجيشين النظاميين الهندي والباكستاني في سبتمبر 1965 على طول الحدود بينهما، ولم يتحقق فيه نصر حاسم لأي منهما، وانتهت الجهود الدولية بعقد معاهدة وقف إطلاق النار بين الجانبين.
في العام التالي حاول الاتحاد السوفياتي آنذاك التدخل في الصراع الدائر، ورتب مؤتمر مصالحة عقد في يناير 1966 بطشقند، لكن المؤتمر انتهى بالفشل.
من جديد، عاد القتال بين الجارتين ليتجدد مع مطلع السبعينيات من القرن إثر اتهامات باكستان للهند بدعم باكستان الشرقية (بنجلاديش) في محاولتها الانفصالية.
ودارت حرب جديدة عام 1971 مال فيها الميزان العسكري لصالح الهند وتمكنت من تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض، مما أسفر عن انفصال باكستان الشرقية عن باكستان لتشكل جمهورية بنجلاديش.
غيرت هذه الجولة من الحروب التفكير الإستراتيجي العسكري الباكستاني، وأدخلت البلدين في دوامة من سباق التسلح، كان الإعلان عن امتلاك كل منهما للسلاح النووي أهم محطاته.
بعد هذه الحرب، بدا أن الأمور تتجه إلى حل عبر المفاوضات، وهو ما حدث فعلا في عام 1972 إذ تم التوقيع على معاهدة شِملا التي نصت على اعتبار خط وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين يوم 17 ديسمبر 1971 هو خط هدنة بين الدولتين.
وبموجب هذا الاتفاق احتفظت الهند ببعض الأراضي الباكستانية التي سيطرت عليها بعد حرب 1971، كما احتفظت باكستان بالأراضي التي سيطرت عليها.
بقيت الأمور تراوح مكانها بين تصعيد وتوتر إلى تهدئة حتى أبريل 1987 حيث اندلعت انتفاضة مسلحة في كشمير إثر “تزييف” الهند انتخابات 1987، وسرعان ما اتجهت هذه الانتفاضة إلى الكفاح المسلح.
وشهد عام 1990 بداية التمرد ضد الحكم الهندي على أيدي مقاتلين كشميريين شباب كانوا مدفوعين بفكرة تحقيق استقلال كشمير ومدعومين عسكريا وسياسيا من باكستان.
وقام المسلحون بعمليات نوعية عديدة ضد الجيش الهندي، الذي رد باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في كل مرة.

وحاولت الدولتان مرات عديدة الوصول إلى اتفاق لحل الأزمة بينهما، إلا أن كل اتفاق حمل عوامل تفجره، وجرى الإعلان عن اتفاقات عدة بين البلدين لتسوية كل الملفات العالقة بما فيها قضية كشمير، لكن أيا منها لم ينل فرصة التطبيق على أرض الواقع.
لكن ما حدث في يوليو 1999 أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، حيث تمكن مسلحون كشميريون من التسلل إلى الجزء الهندي من كشمير واحتلوا قمم كارغيل، واعتبرت الهند الحادثة “طعنة في الظهر”، وحشدت قواتها في المنطقة وتمكنت من استعادتها.
بعد ذلك، عقد زعماء البلدين قمة في مدينة آغرا الهندية، لكن القمة فشلت نتيجة لاختلاف مواقف البلدين من التسوية.
كما ساهم الهجوم على البرلمان الهندي يوم 13 ديسمبر 2001 في ارتفاع حدة التوتر بين البلدين، وصعدت الهند عسكريا وهددت بمواجهة شاملة مع باكستان بحجة القضاء على القواعد “الإرهابية” بكشمير الباكستانية.
ورغم الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في البلدين، فإنه لم يتم التوصل إلى حل للقضية، التي بقيت عقبة أمام أي مفاوضات سلام بينهما، وصدرت بيانات من البلدين تؤكد أن “قضية كشمير تمثل جوهر الخلافات بينهما”.
وتمثل كشمير أهمية إستراتيجية للهند جعلتها شديدة التمسك بها، فهي تعتبرها عمقا أمنيا إستراتيجيا لها أمام الصين وباكستان.
وتنظر إليها على أنها امتداد جغرافي وحاجز طبيعي مهم أمام فلسفة الحكم الباكستاني التي تعتبرها قائمة على أسس دينية مما يهدد الأوضاع الداخلية في الهند.
وتخشى الهند إذا سمحت لكشمير بالاستقلال على أسس دينية أو عرقية، أن تفتح بابا لا تستطيع أن تغلقه أمام الكثير من الولايات الهندية.
أما بالنسبة لباكستان، فتعتبر كشمير منطقة حيوية لأمنها، وذلك لوجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرحد وشمالي شرقي البنجاب تجري بمحاذاة كشمير.
وينبع من الأراضي الكشميرية ثلاثة أنهار رئيسية للزراعة في باكستان، مما يجعل احتلال الهند لها تهديدا مباشرا للأمن المائي الباكستاني.
ويتبادل الجيشان الهندي والباكستاني بشكل شبه يومي تقريبا، إطلاق قذائف الهاون على خط وقف إطلاق النار الذي يقوم عمليا مقام الحدود بين شطري كشمير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *