رغم مرور شهور على إقالته من منصبه؛ وصدور قرار مؤخرًا بحرمانه من الترشح لأي منصب لمدة 05 سنوات، فإن قصة “عمران خان”، رئيس وزراء “باكستان” السابق، تبدو غير مكتملة بعد.. فهل يمكنه تحدي الجيش والعودة للمشهد ؟
كان أسطورة الكريكيت، الذي قاد “باكستان” لفوزها الوحيد بكأس العالم؛ عام 1992، قد تمكن عام 2018 من حشد بلاده وراء رؤيته لبلد مزدهر خالٍ من الفساد ويحظى بالاحترام على الساحة الدولية. وبمجرد وصوله إلى السلطة، شرع “خان” في خطته لبناء دولة “رفاهة”؛ على غرار ما قال إنه نظام مثالي يعود تاريخه إلى العصور الأولى للعالم الإسلامي قبل حوالي 14 قرنًا.
شعبيته الجارفة لم تمنع إقالته..
وعيَّنت حكومة “خان” عددًا من المسؤولين في مناصب رئيسة على أساس المؤهلات وليس المصالح السياسية، وسعت إلى إصلاح التوظيف في الجهاز الحكومي ونظام الخدمة المدنية.
وشملت الإجراءات الأخرى التيسير على المواطنين في تقديم الشكاوى وإدخال الرعاية الصحية الشاملة للفقراء في مقاطعة واحدة مع خطط لتوسيع البرنامج على الصعيد الوطني. وبدأت الحكومة أيضًا مشروعًا لزراعة عشرة مليارات شجرة لمواجهة عمليات إزالة الغابات على مدى عقود سابقة.
ولدعم الاقتصاد المُصاب بالشلل، أجرى “خان” تحولاً كبيرًا في السياسة وحصل على خطة إنقاذ من “صندوق النقد الدولي”؛ لـ”باكستان”، ووضع أهدافًا طموحة، وإن لم تتحقق، لتوسيع نطاق تحصيل الضرائب.
لكن شهرته الواسعة على المستوى القومي وما يتمتع به من كاريزما؛ كل ذلك لم يكن كافيًا لإبقائه على قمة السلطة، خصوصًا بعد أن وقعت خلافات بينه وبين قادة الجيش الباكستاني، وبصفة خاصة بشأن العملية الروسية الخاصة على “أوكرانيا”.
لكن على الرغم من القرار الأخير للجنة الانتخابات بحرمان “خان” من ممارسة العمل السياسي لمدة: 05 سنوات، فإن “عمر كريم”، الباحث في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة “برمنغهام”، يرى أن رئيس الوزراء السابق يمكنه: “التغلب على الجيش والعودة إلى السلطة”.
وفي مقاله بموقع (ميدل إيست آي) البريطاني، يرى “كريم” أن نجم الكريكيت والسياسي الشعبوي؛ لا يزال يحظى بفرصةٍ محتملة للعودة إلى السلطة، قياسًا على التاريخ السياسي الفريد لـ”باكستان”، وكيف تسبّب في تحويل العلاقة بين الفرع التنفيذي وبين الجيش إلى واحدةٍ من السمات المميزة للبلاد.
إذ تُمثل المؤسسة العسكرية جهة صنع القرار السياسي المُهيمنة في كثيرٍ من الأحيان، واضطر غالبية الحكام المدنيين أن يتنازلوا لها عن مساحةٍ في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي، وأصبحت أي محاولة لمقاومة الوضع الراهن تُقابل برد فعلٍ قوي من المؤسسة العسكرية.
وفي ظل هذا الوضع؛ لا يستطيع قادة البلاد من المدنيين الحفاظ على مكانتهم السياسية دون التوصل إلى تسويةٍ مع القيادة العسكرية. ومع ذلك فالباحث يرى مؤشرات على تغيير محتمل، في ظل رفض رئيس الوزراء السابق؛ “عمران خان”، الانسحاب من الساحة السياسية رغم إقالته من منصبه.
العلاقة بين “خان” والجيش الباكستاني..
ونتيجةً لذلك؛ دخل “خان” في مواجهةٍ ناعمة مع جيش البلاد منذ شهور، ومع فشل كل المحاولات لإبعاده عن الساحة السياسية، صدر قرارٌ من لجنة الانتخابات في “باكستان” بمنعه من تولي أي منصب حكومي لمدة 05 سنوات.
فقد استبعدت” لجنة الانتخابات الباكستانية”، الجمعة 21 تشرين أول/أكتوبر، “عمران خان”، من تولي أي منصب عام لمدة 05 سنوات، كما اتهمته بإخفاء الأصول، وهو ما يعني أن رئيس الوزراء السابق سيفقد مقعده في “الجمعية الوطنية”؛ (البرلمان).
وحث حزب “عمران خان” أتباعه على النزول إلى الشوارع للتنديد السلمي بقرار اللجنة، الذي جاء قبل أيام من إعلان “خان” عن مسيرته التي طال انتظارها إلى “إسلام آباد”؛ لإجبار حكومة رئيس الوزراء؛ “شهباز شريف”، على إجراء انتخابات مبكرة.
وقدمت الحكومة الائتلافية لـ”شريف” إلتماسًا إلى لجنة الانتخابات، مطالبًا باتخاذ إجراء ضد “خان” بتهم أنه باع بشكل غير قانوني هدايا الدولة التي تلقاها من رؤساء دول أخرى عندما كان في السلطة. كما اتهم “خان” بإخفاء الأموال التي حصل عليها ببيع تلك الهدايا.
لكن هناك احتمالية قائمة لإلغاء ذلك القرار في محاكم البلاد بنهاية المطاف، وهو ما يُمثل حلقةً جديدة في الملحمة المُتكشفة بين “خان” وبين المؤسسة العسكرية في البلاد. وأرجع الباحث أصول علاقة القيادة المدنية بالعسكرية إلى طبيعة البلاد في حقبة ما بعد الاستعمار؛ حيث حصلت “باكستان” على استقلالها من “بريطانيا”؛ عام 1947، لكن الدولة الجديدة كانت تفتقر إلى البنية التحتية المؤسسية الفعالة، مما يعني أنها كانت مضطرةً لإعادة بناء كل شيء من الصفر.
أما الاستثناء الوحيد فكان جيشها القوي الذي ورثته من الاستعمار، والذي مثل بدوره عاملاً أسهم في تطور “باكستان” لتُصبح دولة “بريتوريانية” (حيث يتمتع الجيش بنفوذٍ على السلطة).
وأدارت “باكستان” حكومات يقودها أو يُهيمن عليها الجيش لأكثر من ثلاثة عقود. بينما ظل دور المدنيين ثانويًا بالنسبة للجيش حتى بعد وصولهم إلى السلطة؛ بحسب “كريم”.
دورٌ خاص للجيش الباكستاني..
شهدت الساحة السياسية التي تشكلت عقب رحيل الجنرال “برويز مشرف”؛ عام 2008، تراجع الجيش خطوةً للوراء أخيرًا، حيث سمح الجيش لحكومة منتخبة ديمقراطيًا بممارسة سلطاتها السياسية. لكن تدهور الوضع الأمني داخل البلاد والعمليات العسكرية المستمرة في الشمال الغربي تسبَّبا في الإبقاء على دور الجيش الخاص في مجال صنع السياسات.
ومثّل “خان” و(حركة الإنصاف) الباكستانية تهديدًا كبيرًا لـ”نواز” و(الرابطة الإسلامية) الباكستانية؛ في انتخابات عام 2013، لكن (الرابطة) فازت بالانتخابات في النهاية. ثم نظّمت (حركة الإنصاف) اعتصامًا في “إسلام آباد” بعدها بعامٍ واحد، بدعمٍ مزعومٍ من الجيش؛ على حد وصف “كريم”.
وفي عام 2016، جاءت تسريبات صحيفة (Dawn)؛ لتُزيد سوء العلاقة بين الحكومة والجيش. وخرج رئيس الوزراء الأسبق؛ “نواز شريف”، من السلطة في النهاية عام 2017، بناءً على قرارٍ من المحكمة العُليا في فضيحة فساد مرتبطة بتسريبات “وثائق بنما”.
ويرى “كريم” أن انتخاب “خان”؛ في تموز/يوليو عام 2018، جاء ليُوجّه العلاقة “المدنية-العسكرية”؛ إلى المسار الصحيح؛ حيث أُقيمت علاقة تكافلية جديدة مبنية على الثقة المتبادلة بين الجيش والسلطة التنفيذية. واعتمدت العلاقة على الكيمياء الشخصية بين “خان” من ناحية وبين قائد الجيش؛ الجنرال “قمر جاويد باجوا”، من ناحيةٍ أخرى.
وتجلى توافق حكومة “خان” المثالي مع الجيش؛ إبان أزمة “بالاكوت”؛ عام 2019، وضم “الهند”؛ لـ”كشمير”، عام 2019، والصراع في “أفغانستان”. وأثّر ذلك التوافق على قرار الحكومة بتمديد ولاية “باجوا” لثلاث سنوات إضافية؛ في عام 2019.
وتمكنت حكومة “خان” من الصمود في مواجهة المصاعب السياسية محليًا، وذلك بفضل التقارب بين رئيس الوزراء؛ “خان”، وبين رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق؛ الفريق “فيض حميد”. وأصبح “حميد” بمثابة عيون وآذان رئيس الوزراء، مما أشعر قائد الجيش بعدم الإرتياح لأنه بدأ يرى “حميد” على أنه الذراع اليمنى لـ”خان”، وليس موظفًا تابعًا له في المؤسسة الحاكمة.
الرصيد السياسي الهائل لـ”عمران خان”..
علاوةً على ما سبق، أتبع “خان” خطاب سياسة خارجية مناهض للغرب؛ إبان انسحاب “الولايات المتحدة” من “أفغانستان”؛ في آب/أغسطس عام 2021. ناهيك عن رفضه السماح للأميركيين باستخدام الأراضي الباكستانية في أي عمليات عسكرية مستقبلية بـ”أفغانستان”؛ مما قوّض المصالح المؤسسية الأوسع نطاقًا للجيش الباكستاني، وحوّل “خان” إلى عبء سياسي بصورةٍ متزايدة.
وبدأ يتضح أن الجيش لم يعُد يدعم الحكومة مع تحرك الجيش لإقالة “حميد” من منصبه الاستخباراتي. مما فتح الأزقة السياسية التي كانت مسدودةً في وجه المعارضة الباكستانية، وأسفر عن إقالة “خان” من منصبه بأسلوبٍ تعوزه الكياسة.
حكومة رئيس الوزراء الحالي؛ “شهباز شريف”، تحظى بكامل دعم الجيش الباكستاني، كما يتجلى من تصريحات الذراع الإعلامية للجيش. لكن حكومة “شريف” الائتلافية المختلطة فشلت حتى الآن في إحلال الاستقرار على الاقتصاد، أو قيادة البلاد إلى عصرٍ من اليقين السياسي. وصبّت كل هذه العوامل في مصلحة “خان” بصورةٍ مباشرة، مما زاد رصيده السياسي بشكلٍ كبير.
ويرى “كريم” أن “خان” نجح في استغلال شعبويته كسلاح، معتمدًا بشكلٍ كبير على روح السيادة الوطنية والخطاب المناهض للغرب. وتجلى هذا الأمر تحديدًا في فوز حزبه الحاسم بانتخابات تموز/يوليو؛ الجزئية داخل “إقليم البنجاب” المهم سياسيًا، ليسترد السلطة هناك من يد “شريف” و(الرابطة الإسلامية) الباكستانية. وتسبب ذلك الفوز في إضعاف الحكومة المركزية أكثر، وأصبحت عاجزةً عن الاعتماد على قاعدة سلطتها السياسية في “البنجاب”.
ولا يزال “خان” يتمتع بالثقة وسط الظروف الحالية، بينما تواجه حكومة “شريف” سلسلةً كبيرة من التحديات الاقتصادية والسياسية والبيئية. لكن حكومة “شريف” لا تزال تتمتع بكامل دعم المؤسسة العسكرية، التي تواصل النظر إلى “خان” باعتباره شخصيةً سياسية متهوّرة ستكون عودتها إلى السلطة كارثية.
لكن هذه الحسابات ربما تتغير؛ في تشرين ثان/نوفمبر، بالتزامن مع التغيير المنتظر في قيادة الجيش؛ إذ من الممكن أن يُقرر قائد الجيش الجديد أن ينأى بنفسه عن إرث قائد الجيش المنتهية ولايته، وأن يُراجع النهج السياسي للمؤسسة. ومن المحتمل أن تُمهد مثل هذه التطورات الطريق أمام الانتخابات العامة التي تستطيع إعادة تشكيل التوازن السياسي الباكستاني بين المدنيين والعسكريين.
